التحول الرقمي في القطاع الحكومي: من رقمنة المعاملات إلى خدمات حول المستفيد
- نُشر في:
- مدة القراءة: 5 دقائق
- الكاتب: فريق كُميت
قطعت الجهات الحكومية في المملكة شوطًا واسعًا في إتاحة خدماتها إلكترونيًا، وأصبح المستفيد يتوقع أن ينجز معاملته من هاتفه دون مراجعة. لكن إتاحة الخدمة إلكترونيًا شيء، وتحويلها إلى تجربة بسيطة مترابطة شيء آخر. يتناول هذا الدليل المبادئ التي تساعد الجهة الحكومية على الانتقال من رقمنة المعاملات كما هي إلى خدمات تُصمم حول حاجة المستفيد، مع مراعاة خصوصية العمل الحكومي ومتطلباته.
1. ما الذي يميز التحول الرقمي في الجهات الحكومية
يختلف العمل الحكومي عن القطاع الخاص في جوانب تؤثر مباشرة في طريقة التحول. فالجهة الحكومية لا تختار عملاءها، بل تخدم جميع الفئات بلا استثناء، ومنهم كبار السن ومن لا يجيدون التعامل مع التقنية. كما تعمل وفق أنظمة ولوائح تحدد الإجراءات والصلاحيات، فلا يكفي أن يكون التغيير مفيدًا، بل يجب أن يكون نظاميًا أيضًا.
ويضاف إلى ذلك أن خدمة المستفيد الواحد كثيرًا ما تمر بأكثر من جهة، وأن الجهات تتعامل مع بيانات حساسة تتطلب درجة عالية من الحماية. ولذلك يحتاج التحول الحكومي إلى توازن دقيق بين التبسيط والضبط، وبين سرعة الإنجاز وسلامة الإجراء، وبين التجديد والالتزام بالأطر التنظيمية القائمة.
2. تصميم الخدمة حول رحلة المستفيد لا حول الهيكل الإداري
كثيرًا ما تعكس الخدمات الحكومية الهيكل التنظيمي للجهة: كل إدارة تملك جزءًا من الخدمة، فيضطر المستفيد إلى التنقل بينها. والتصميم المتمحور حول المستفيد يبدأ من السؤال المعاكس: ما الذي يريد المستفيد إنجازه، وما أقصر طريق يوصله إليه؟ ويتطلب ذلك رسم رحلة المستفيد كاملة، من لحظة شعوره بالحاجة حتى حصوله على النتيجة، ثم البحث عن الخطوات التي يمكن دمجها أو حذفها.
مثال توضيحي: لنفترض أن مستفيدًا يريد ترخيص نشاط تجاري، فيتقدم بطلب في منصة، ثم يُطلب منه رفع مستندات صادرة عن جهة أخرى، ثم ينتظر موافقة إدارة ثالثة لا يعرف عنها شيئًا. عند إعادة التصميم تُجلب المستندات آليًا من مصدرها، وتُعرض للمستفيد مراحل الطلب بوضوح، ويُبلّغ بأي نقص فور اكتشافه بدل رفض الطلب بعد أيام من الانتظار.
3. تبادل البيانات بين الجهات وتجنب تكرار طلبها
من أكثر ما يرهق المستفيد أن يُطلب منه تقديم بيانات أو مستندات تملكها جهة حكومية أخرى بالفعل. ويقوم تبادل البيانات على مبدأ بسيط: أن يقدم المستفيد المعلومة مرة واحدة، ثم تتحقق منها الجهات الأخرى من مصدرها الأصلي. ولتطبيق هذا المبدأ تحتاج الجهة إلى عدة مقومات:
- تحديد المصدر الموثوق لكل بيان: فلكل نوع من البيانات جهة واحدة مسؤولة عن صحته.
- واجهات ربط آمنة: تسمح بالاستعلام عن البيانات بقدر الحاجة دون نسخها كاملة.
- اتفاقيات مشاركة واضحة: تحدد الغرض من المشاركة وحدودها ومدة الاحتفاظ بالبيانات.
- الالتزام بسياسات البيانات الوطنية: وما تصدره الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) في مشاركة البيانات وحوكمتها.
- سجلات وصول: تبين من اطلع على البيانات ومتى ولأي غرض.
4. الحوكمة والأطر التنظيمية للتحول الحكومي
لا تعمل الجهة الحكومية في فراغ، فثمة منظومة من الجهات والأطر التنظيمية التي ترسم ملامح التحول الرقمي وتضع معاييره. ومعرفة هذه المنظومة مبكرًا يجنب الجهة إعادة العمل لاحقًا، ويجعل مشاريعها متسقة مع غيرها من الجهات. ومن أبرز ما ينبغي مراعاته:
- هيئة الحكومة الرقمية: الجهة المعنية بتنظيم أعمال الحكومة الرقمية ووضع معاييرها وأطرها.
- الهيئة الوطنية للأمن السيبراني: وضوابطها التي تلتزم بها الجهات في حماية أنظمتها وبياناتها.
- نظام حماية البيانات الشخصية: الذي يحكم جمع البيانات الشخصية ومعالجتها والإفصاح عنها.
- رؤية المملكة 2030: التي جعلت رفع كفاءة الأداء الحكومي وجودة خدماته من مستهدفاتها.
وداخل الجهة نفسها، يحتاج التحول إلى لجنة توجيهية تربط المبادرات الرقمية بأهداف الجهة الاستراتيجية، وتحسم التعارض بين أولويات الإدارات.
5. التعامل مع الأنظمة القديمة والتعاقد التقني
تملك جهات حكومية كثيرة أنظمة بُنيت على مدى سنوات، وتراكمت فيها بيانات وإجراءات يصعب الاستغناء عنها دفعة واحدة. واستبدال هذه الأنظمة كلها في مشروع واحد ينطوي على مخاطر كبيرة، لذلك تميل الجهات إلى الانتقال التدريجي: بناء واجهات حديثة فوق الأنظمة القائمة، ثم نقل الوظائف إلى أنظمة جديدة على مراحل.
مثال توضيحي: لنفترض أن جهة تعتمد على نظام قديم لإدارة الطلبات لا يتيح الربط مع غيره. بدل إيقافه، تبني الجهة طبقة ربط تتيح لبوابتها الإلكترونية قراءة حالة الطلبات منه، ثم تنقل نوعًا واحدًا من الطلبات إلى النظام الجديد وتختبره، قبل نقل بقية الأنواع تباعًا. وفي العقود، تحرص الجهة على أن تملك بياناتها وتوثيق أنظمتها، حتى لا تبقى رهينة لمورد واحد.
6. القنوات الرقمية وشمول جميع فئات المستفيدين
نجاح الخدمة الرقمية الحكومية يقاس بقدرة الجميع على استخدامها، لا بقدرة المتمرسين في التقنية وحدهم. فالخدمة التي يعجز عنها كبار السن أو ذوو الإعاقة أو من يسكنون مناطق ضعيفة الاتصال تُبقي جزءًا من المجتمع خارجها، وتعيدهم إلى المراجعة الحضورية. ولذلك تراعي الجهة عند التصميم عدة اعتبارات:
- سهولة الوصول: الالتزام بمعايير إتاحة المحتوى لذوي الإعاقة، كقارئات الشاشة وتباين الألوان.
- لغة واضحة: صياغة التعليمات والرسائل بعبارات يفهمها غير المتخصص، بعيدًا عن المصطلحات الإدارية.
- تصميم يناسب الجوال: لأن كثيرًا من المستفيدين يصلون إلى الخدمات من هواتفهم.
- قنوات مساندة: إبقاء مركز اتصال أو مكتب خدمة يساعد من يتعذر عليه إكمال المعاملة إلكترونيًا.
7. قياس رضا المستفيدين وتطوير الخدمات باستمرار
إطلاق الخدمة الرقمية بداية العمل لا نهايته. فالجهة تحتاج إلى معرفة أين يتعثر المستفيدون، وأي الخطوات تستغرق وقتًا أطول من المتوقع، ولماذا يترك بعضهم المعاملة قبل إكمالها. وتتكامل في ذلك مصادر متعددة: استبيانات قصيرة بعد إنجاز الخدمة، وتحليل بيانات الاستخدام، ومراجعة الشكاوى والاستفسارات المتكررة في مركز الاتصال.
والأهم أن تتحول هذه الملاحظات إلى تحسينات فعلية تُنفذ وتُعلن، فالمستفيد الذي يرى أثر ملاحظته يثق بالخدمة أكثر. ويُستحسن أن يكون لكل خدمة رئيسية مالك من جهة الأعمال يتابع مؤشراتها، كزمن الإنجاز ونسبة الطلبات المكتملة دون مراجعة حضورية، ويقود تطويرها بالتعاون مع الفريق التقني، بدل أن تبقى مسؤولية الخدمة موزعة بين إدارات لا يملك أي منها قرارها.
الخلاصة
التحول الرقمي في القطاع الحكومي يتجاوز نقل النماذج الورقية إلى الشاشة. فهو يبدأ بتصميم الخدمة حول رحلة المستفيد، ويعتمد على تبادل البيانات بين الجهات حتى لا يُطلب من المستفيد ما تملكه الحكومة أصلًا، ويسير وفق منظومة الأطر التنظيمية التي تضعها الجهات المختصة. ويتطلب كذلك انتقالًا مدروسًا من الأنظمة القديمة، وتصميمًا يشمل جميع فئات المجتمع، وقياسًا مستمرًا لرضا المستفيدين يتحول إلى تحسينات ملموسة. وبهذا تسهم الجهة في مستهدفات رؤية المملكة 2030 لحكومة فاعلة، وتبني ثقة المستفيد في خدماتها الرقمية، فيختارها عن قناعة لا لأنها البديل الوحيد المتاح.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين الخدمة الإلكترونية والخدمة المتمحورة حول المستفيد؟
الخدمة الإلكترونية قد تنقل الإجراء الورقي كما هو إلى الشاشة، أما الخدمة المتمحورة حول المستفيد فتُصمم انطلاقًا من حاجته، فتدمج الخطوات وتحذف ما لا لزوم له وتجلب البيانات من مصادرها بدل مطالبته بها.
ما الجهة المعنية بتنظيم الحكومة الرقمية في المملكة؟
تُعنى هيئة الحكومة الرقمية بتنظيم أعمال الحكومة الرقمية ووضع معاييرها، إلى جانب جهات أخرى مثل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي كل في مجال اختصاصه.
كيف تتعامل الجهة الحكومية مع أنظمتها القديمة أثناء التحول الرقمي؟
تميل الجهات إلى الانتقال التدريجي، ببناء طبقات ربط فوق الأنظمة القائمة ونقل الوظائف إلى أنظمة جديدة على مراحل، بدل استبدال كل شيء في مشروع واحد عالي المخاطر.
لماذا تبقي الجهات الحكومية قنوات حضورية رغم توفر الخدمات الرقمية؟
لأن بعض المستفيدين قد يتعذر عليهم إكمال المعاملة إلكترونيًا، فتضمن القنوات المساندة وصول الخدمة إلى جميع فئات المجتمع دون استثناء.
كتب بواسطة
فريق كُميت
فريق كُميت للإنتاج الإبداعي والتسويق في الرياض، يكتب هنا عن التقنية والتحول الرقمي من واقع المشاريع التي يعمل عليها.