الهوية البصرية المستوحاة من التراث السعودي دون الوقوع في التكرار
- نُشر في:
- مدة القراءة: 4 دقائق
- الكاتب: فريق كُميت

تُبنى الهوية البصرية المستوحاة من التراث السعودي على ثلاث خطوات: أن تدرس مصدرًا تراثيًا محددًا يرتبط بقصة علامتك، وأن تستخلص منه مبادئه البصرية من إيقاع ونسب وألوان، ثم أن تعيد صياغة هذه المبادئ بأدوات تصميم معاصرة بدل نسخ الرمز كما هو. بهذه الطريقة تحمل الهوية أثر المكان دون أن تشبه عشرات الهويات التي استعملت الرموز نفسها.
يشرح هذا المقال كل خطوة بالتفصيل، مع أمثلة توضيحية من الزخارف والعمارة المحلية.
لماذا تتشابه مشاريع الهوية البصرية المستوحاة من التراث السعودي؟
تتشابه لأن أغلبها يبدأ من الرمز الجاهز لا من الفكرة. فحين تضع علامات كثيرة النخلة أو الدلة أو مثلثات السدو في شعارها بالشكل نفسه تقريبًا، يفقد الرمز قدرته على التمييز ويتحول إلى زخرفة عامة.
والمشكلة ليست في الرمز ذاته، بل في طريقة استعماله. فالرمز المأخوذ حرفيًا يقول للمتلقي إن العلامة سعودية، لكنه لا يقول شيئًا عن شخصيتها أو مجالها أو ما يميزها عن جارتها في السوق. ثم إن الرموز الأكثر شيوعًا ترتبط في ذهن الجمهور بالمناسبات الوطنية والمنتجات الشعبية، فتجرّ الهوية إلى هذا السياق حتى لو كان نشاط الشركة تقنيًا أو مهنيًا. لذلك يبدأ العمل الجاد بسؤال مختلف: ما الذي نريد أن نأخذه من التراث؟ الشكل أم المنطق الذي صنع الشكل؟
1. اختر مصدرًا تراثيًا يرتبط بقصة العلامة
التراث السعودي ليس كتلة واحدة، بل مدارس متعددة تختلف باختلاف المناطق والمواد والاستعمال. وكلما كان المصدر أقرب إلى قصة العلامة كان الاستلهام أصدق وأقل تكلفًا.
- العمارة النجدية الطينية: كتل صلبة وفتحات مثلثة صغيرة وشرفات مسننة، تناسب علامة تريد التعبير عن الرسوخ والبساطة.
- الرواشين الحجازية: مشربيات خشبية متقنة تجمع الخصوصية والتهوية، وتلهم شبكات وأنماطًا قائمة على التكرار المنتظم.
- القط العسيري: ألوان صريحة وأشرطة هندسية متوازية تزين الجدران، مصدر غني لعلامة جريئة في ألوانها.
- نسيج السدو: خطوط أفقية ومثلثات متتابعة، ويصلح لاستخلاص الإيقاع لا لنقل النقشة كاملة.
- الخط العربي: مدارس متعددة يمكن أن تلهم حرفًا مخصصًا أو طريقة في التعامل مع النص.
2. ادرس المصدر قبل أن ترسم أي شيء
الدراسة تعني أن تفهم لماذا جاء الشكل على هذه الصورة، لا أن تجمع صورًا جميلة له. فالفتحات المثلثة في البيوت الطينية لها وظيفة في التهوية والإضاءة، وتقسيمات الروشان تخدم الخصوصية، وألوان القط العسيري ترتبط بخامات متاحة في بيئتها.
اجمع مراجع موثوقة من كتب العمارة والمتاحف والمواقع التراثية، والتقط صورًا ميدانية إن أمكن، ودوّن ملاحظاتك عن النسب والتكرار والعلاقة بين الكتلة والفراغ. ومن المفيد أن يشارك في هذه المرحلة شخص مطلع على المصدر، كباحث في التراث أو حرفي يمارس الصنعة، فهو ينبهك إلى دلالات قد تغيب عنك، وإلى عناصر لها معنى ديني أو اجتماعي ينبغي احترامه وعدم توظيفه في سياق تجاري.
وفي نهاية هذه المرحلة يجب أن تملك وصفًا مكتوبًا للمبادئ، لا مجموعة صور فقط، لأن المبادئ هي ما ستبني عليه الخطوات التالية.
3. كيف تستخلص المبادئ البصرية من الزخارف والعمارة؟
تستخلصها بتجريد الشكل إلى قواعده: الزاوية المتكررة، والنسبة بين العناصر، والإيقاع، والعلاقة بين الممتلئ والفارغ. هذه القواعد هي ما ينتقل إلى الهوية، أما الشكل الأصلي فيبقى مرجعًا.
مثال توضيحي: لنفترض أن شركة تطوير عقاري تستلهم العمارة النجدية. بدل أن تضع صورة جدار طيني في شعارها، يلاحظ المصمم أن الشرفات المسننة تقوم على مثلث بزاوية ثابتة يتكرر بإيقاع منتظم. فيعتمد هذه الزاوية في قص أطراف الحروف، ويبني منها شبكة لتوزيع العناصر في المطبوعات، ويستخلص من ألوان الطين والجص لوحة ترابية هادئة. والنتيجة هوية يشعر المتلقي بانتمائها إلى المكان، دون أن يرى فيها رمزًا مألوفًا منسوخًا.
وهذا التجريد يمنح الهوية مرونة أكبر، لأن القاعدة تنتج أشكالًا كثيرة، بينما الرمز المنسوخ شكل واحد يتكرر.
4. ترجم المبادئ إلى عناصر هوية معاصرة
بعد استخلاص المبادئ تأتي مرحلة توزيعها على عناصر الهوية، مع الحرص على ألا يحمل كل عنصر عبء التراث وحده. فالهوية المتوازنة تختار موضعًا أو موضعين يظهر فيهما الأثر بوضوح، وتترك باقي العناصر هادئة تخدم الوضوح.
- الشعار: يكفي أن يحمل إشارة واحدة مجردة، كزاوية أو تقسيم، بدل أن يجمع عدة رموز.
- الألوان: لوحة مستوحاة من خامات المصدر، مع ألوان محايدة تضمن قابلية القراءة.
- الخطوط: خط عربي معاصر واضح للنصوص، وقد يُصمم حرف مخصص للعناوين إن كانت الميزانية تسمح.
- العناصر المساندة: هنا تتسع المساحة للزخرفة، ويمكن الرجوع إلى أساسيات تصميم باترن للهوية البصرية لبناء نقوش مشتقة من المبادئ نفسها.
- التصوير: أسلوب يُظهر الضوء والخامة والمكان دون أن يتحول إلى صور سياحية.
5. اختبر الهوية في سياقها التجاري الحقيقي
الهوية التي تبدو جميلة على لوحة العرض قد تفقد تأثيرها في الاستعمال اليومي. لذلك اختبرها على ما ستظهر فيه فعلًا: بطاقة العمل، وواجهة الموقع، والمنشور في الشبكات الاجتماعية، واللافتة، والفاتورة.
واسأل في كل نموذج: هل تظهر شخصية العلامة أم يطغى عليها الطابع الشعبي؟ وهل تبقى الهوية واضحة حين تصغر أو تُطبع بلون واحد؟ وهل تناسب جمهور الشركة الفعلي ومجالها؟ فالشركة التقنية تحتاج إلى أثر تراثي خفيف يمنحها الانتماء، بينما يحتمل مطعم يقدم أطباقًا محلية حضورًا أوضح للزخرفة. ومن المفيد أن تجرب كذلك نسخة باللغة الإنجليزية إن كانت العلامة تتعامل مع جمهور دولي، لترى هل تظل المبادئ مقروءة مع حروف لاتينية. وإن كانت لديك هوية قائمة وتفكر في إدخال هذا الطابع عليها، فراجع أولًا متى يكفي تحديث شعار الشركة بدل تغييره كي لا تفرط في رصيد بصري بنيته.
الخلاصة
الهوية البصرية المستوحاة من التراث تنجح حين تأخذ من المصدر منطقه لا صورته. فاختر مصدرًا يرتبط بقصة علامتك، وادرسه بعمق، وجرّده إلى زوايا ونسب وإيقاعات وألوان، ثم وزّع هذه المبادئ على عناصر الهوية بقدر محسوب، واختبرها في الاستعمال الفعلي قبل الاعتماد. وبعد الاعتماد وثّق القواعد في دليل واضح، لأن الأثر التراثي الدقيق أسهل ما يضيع حين ينفذ الموردون والفرق الهوية دون مرجع؛ وتفصيل ذلك في مقال تطبيق الهوية البصرية داخل الشركة. فبهذا تحصل على هوية تنتمي إلى المكان وتبقى خاصة بك وحدك.
الأسئلة الشائعة
هل يناسب الطابع التراثي الشركات التقنية والحديثة؟
نعم إذا كان الاستلهام مجردًا ومحدودًا، كزاوية في الشعار أو إيقاع في الشبكة أو لوحة ألوان مستوحاة من خامات محلية، مع الحفاظ على وضوح العناصر الأساسية.
هل يمكن استعمال نقشة السدو كما هي في الهوية؟
يمكن ذلك تقنيًا، لكنه يجعل الهوية متشابهة مع غيرها، والأنفع أن تستخلص من النقشة إيقاعها وزواياها وتبني منها عناصرك الخاصة.
ما الفرق بين الاستلهام من التراث والهوية الشعبية؟
الهوية الشعبية تنقل الرموز كما هي لتستدعي الحنين، أما الاستلهام فيأخذ منطق الشكل ويعيد صياغته بلغة معاصرة تناسب نشاط العلامة.
كيف أتجنب الأخطاء الثقافية عند توظيف الزخارف؟
ادرس دلالة العنصر وسياقه قبل استعماله، واستشر مختصًا في التراث أو حرفيًا يعرف الصنعة، وتجنب توظيف العناصر ذات الدلالة الدينية في سياق تجاري.
كتب بواسطة
فريق كُميت
فريق كُميت للإنتاج الإبداعي والتسويق في الرياض، يكتب هنا عن التقنية والتحول الرقمي من واقع المشاريع التي يعمل عليها.


