توطين الوظائف التقنية وتأهيل الكفاءات الوطنية: خطة عملية للشركات
- نُشر في:
- مدة القراءة: 5 دقائق
- الكاتب: فريق كُميت
تتوسع الشركات والجهات في المملكة في الاعتماد على التقنية، ويتزايد معها الاهتمام بأن تشغل الكفاءات الوطنية الأدوار التقنية المهمة، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تنمية القدرات البشرية. لكن التوطين الحقيقي في المجال التقني لا يتحقق بزيادة عدد الموظفين فقط، بل ببناء قدرات تتولى الأنظمة وتطورها.
يعرض هذا المقال إطارًا عامًا يساعد الشركة على التخطيط لتوطين وظائفها التقنية وتأهيل كوادرها الوطنية بطريقة مستدامة.
1. ما المقصود بتوطين الوظائف التقنية
يعني التوطين في سياقه العام أن يشغل المواطنون والمواطنات الوظائف المتاحة في سوق العمل، وتنظمه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عبر برامج وقرارات تختلف بحسب النشاط وحجم المنشأة. وتصدر من حين لآخر قرارات توطين تخص مهنًا بعينها، ومنها مهن هندسية وتقنية، لذلك يحسن أن تتابع الشركة ما يصدر عن الجهات المختصة وما ينطبق عليها تحديدًا.
غير أن التوطين في الوظائف التقنية يتجاوز الامتثال النظامي. فالأدوار التقنية تحمل معرفة متراكمة بأنظمة الشركة وبياناتها، وحين تبقى هذه المعرفة لدى كوادر مستقرة داخل الشركة، تصبح أقل اعتمادًا على أفراد أو جهات قد يغادرون في أي وقت. ولهذا ينظر كثير من القادة إلى التوطين التقني بوصفه جزءًا من إدارة المخاطر، لا مجرد نسبة تُحقق.
2. التوطين استثمار طويل الأجل لا التزام شكلي
تقع بعض الشركات في خطأ التعامل مع التوطين بوصفه رقمًا يجب بلوغه، فتوظف دون تخطيط للأدوار أو التأهيل، ثم تشكو من ضعف الأداء أو سرعة المغادرة. والمشكلة هنا ليست في الكفاءات الوطنية، بل في غياب الخطة التي تمكّنها من النجاح.
- ربط التوطين بالاستراتيجية التقنية: تحديد الأدوار التي تريد الشركة أن تبقى معرفتها داخلية.
- ميزانية للتأهيل: تخصيص وقت ومال للتدريب والإرشاد، لا الاكتفاء بالتوظيف.
- توقعات واقعية: إدراك أن الوصول إلى مستوى الخبرة يحتاج إلى سنوات من العمل الموجّه.
- التزام القيادة: أن يتابع المسؤولون التقدم بأنفسهم، لا أن يُترك الملف للموارد البشرية وحدها.
3. تحليل الفجوة بين الأدوار والكفاءات
قبل إطلاق أي برنامج، تحتاج الشركة إلى صورة واضحة عن وضعها الحالي. فأي الأدوار التقنية يشغلها موظفون وطنيون اليوم؟ وأيها يعتمد على خبرات وافدة أو جهات خارجية؟ وما المهارات المطلوبة في كل دور؟
ومن هذا التحليل تظهر الأولويات. فبعض الأدوار يمكن توطينها سريعًا لتوفر الكفاءات في السوق، وبعضها يحتاج إلى بناء تدريجي عبر تأهيل موظفين حاليين أو خريجين على مدى أطول.
مثال توضيحي: لنفترض أن شركة توزيع لديها فريق تقني يعتمد في إدارة قواعد البيانات والبنية السحابية على خبيرين وافدين. يكشف تحليل الفجوة أن هذين الدورين يحملان معرفة حرجة لا يملكها غيرهما. فتقرر الشركة تعيين مهندسين وطنيين يعملان معهما مباشرة، مع خطة مكتوبة لنقل المسؤوليات تدريجيًا.
4. مسارات التأهيل من البداية إلى الخبرة
لا يوجد مسار واحد يناسب جميع الحالات، بل تحتاج الشركة إلى عدة مداخل تلائم مستويات مختلفة من الخبرة.
- الخريجون الجدد: برامج تدريب منظمة تجمع بين التعلم والعمل على مشاريع حقيقية.
- التحول المهني: موظفون من أقسام أخرى لديهم اهتمام وقدرة على الانتقال إلى أدوار تقنية بعد تأهيل مناسب.
- رفع مستوى الموظفين الحاليين: تطوير من يعملون في أدوار تقنية مبتدئة ليتولوا مسؤوليات أكبر.
- المهنيون ذوو الخبرة: استقطاب كفاءات وطنية متمرسة لقيادة الفرق وتوجيه غيرها.
- الشهادات المهنية: دعم الحصول على شهادات معترف بها في مجالات مثل السحابة والأمن السيبراني والبيانات.
والتوازن بين هذه المداخل يمنع أن يمتلئ الفريق بالمبتدئين دون من يرشدهم.
5. نقل المعرفة من الخبراء إلى الكوادر الوطنية
حين تعتمد الشركة على خبراء وافدين أو جهات خارجية، تصبح عملية نقل المعرفة هي جوهر التوطين التقني. ولا يحدث هذا النقل تلقائيًا بمجرد وجود الطرفين في فريق واحد، بل يحتاج إلى تصميم ومتابعة.
ومن أدوات ذلك العمل الثنائي على المهام الحقيقية، وتوثيق الأنظمة والقرارات المعمارية كتابيًا، وتناوب المسؤولية عن الأنظمة تحت إشراف تدريجي، ومراجعة الشيفرة بوصفها وسيلة تعليم. ويُستحسن أن يتضمن أي عقد مع جهة خارجية بنودًا واضحة لنقل المعرفة، مثل التوثيق ومشاركة الفريق الداخلي في التنفيذ.
مثال توضيحي: لنفترض أن جهة تبني منصة رقمية بالاستعانة بشركة خارجية. إذا اشترطت أن يعمل مهندسوها جنبًا إلى جنب مع فريق المورد، وأن يتولوا تدريجيًا نشر التحديثات ومعالجة الأعطال، فستجد نفسها عند انتهاء العقد قادرة على تشغيل المنصة وتطويرها.
6. الاستفادة من البرامج الحكومية الداعمة
تتوفر في المملكة برامج حكومية وقطاعية تدعم توظيف الكوادر الوطنية وتدريبها، ومن الجهات المعنية بذلك صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف»، إضافة إلى مبادرات تأهيل رقمي تطلقها جهات حكومية وقطاعية مختلفة. وتتغير تفاصيل هذه البرامج وشروطها من وقت لآخر.
- مراجعة البرامج المتاحة: متابعة ما يُعلن من برامج دعم التوظيف والتدريب وما يناسب احتياج الشركة.
- التحقق من الشروط: الاطلاع على المتطلبات من المصادر الرسمية مباشرة قبل التخطيط عليها.
- ربط الدعم بالخطة: استخدام البرامج لتسريع خطة قائمة، لا بوصفها بديلًا عنها.
- الشراكة مع الجهات التعليمية: التعاون مع الجامعات والكليات التقنية في التدريب التعاوني ومشاريع التخرج.
7. بيئة عمل تحتفظ بالكفاءات الوطنية
تأهيل مهندس وطني ثم خسارته لصالح شركة أخرى بعد عام واحد يعني أن الاستثمار انتقل إلى غيرك. والاحتفاظ بالكفاءات لا يعتمد على الراتب وحده، بل على الشعور بالنمو والتقدير والثقة.
فالموظف الذي يُكلف بمهام حقيقية ويُمنح صلاحية اتخاذ القرار تدريجيًا، ويرى أمامه مسارًا واضحًا للترقي، يجد سببًا للبقاء. أما من يُعامل بوصفه رقمًا في نسبة التوطين، ويُستبعد من القرارات التقنية المهمة، فسيبحث عن مكان يقدّر قدراته. ولذلك يحسن أن تتابع الشركة أسباب مغادرة موظفيها الوطنيين بصدق، وأن تعالج ما يتكرر منها.
8. قياس التقدم دون الاكتفاء بنسبة التوطين
النسبة المئوية للتوطين مؤشر مهم للامتثال، لكنها لا تكشف وحدها هل نجحت الشركة في بناء قدرات تقنية حقيقية. فقد ترتفع النسبة بينما تبقى المعرفة الحرجة لدى عدد محدود من الخبراء الخارجيين.
- ملكية الأنظمة: كم من الأنظمة الأساسية يتولى مسؤوليتها موظفون وطنيون فعليًا؟
- التوزيع على المستويات: هل تتوزع الكفاءات الوطنية على المستويات المختلفة أم تتركز في الأدوار المبتدئة؟
- التقدم المهني: كم موظفًا انتقل إلى مستوى أعلى أو تولى قيادة فريق؟
- الاستقرار: معدل بقاء الموظفين بعد انتهاء فترة التأهيل.
ومراجعة هذه المؤشرات دوريًا مع القيادة تكشف مبكرًا أين تتعثر الخطة.
الخلاصة
توطين الوظائف التقنية وتأهيل الكفاءات الوطنية مشروع طويل الأجل يحتاج إلى خطة لا إلى قرارات متفرقة. ابدأ بتحليل الفجوة بين أدوارك التقنية والكفاءات المتاحة، ونوّع مسارات التأهيل، واجعل نقل المعرفة شرطًا في كل علاقة مع خبير أو جهة خارجية، واستفد من البرامج الداعمة بعد التحقق من شروطها رسميًا. ثم احرص على بيئة عمل تحتفظ بمن أهّلتهم، وقِس نجاحك بملكية الأنظمة لا بالنسبة وحدها. وابدأ هذا الشهر بخطوة واحدة: حدد نظامًا حرجًا تعتمد فيه على خبير واحد، وعيّن معه من يتعلمه ويشاركه مسؤوليته.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين التوطين الشكلي والتوطين الحقيقي في الوظائف التقنية؟
التوطين الشكلي يكتفي بتحقيق النسبة المطلوبة، أما الحقيقي فيعني أن تتولى الكفاءات الوطنية الأنظمة والقرارات التقنية فعليًا وتملك المعرفة اللازمة لتطويرها.
كيف أنقل المعرفة من الخبراء الوافدين إلى الموظفين الوطنيين؟
بالعمل الثنائي على مهام حقيقية، والتوثيق المكتوب للأنظمة، وتناوب المسؤولية تحت إشراف تدريجي، مع خطة زمنية واضحة يتابعها المسؤولون.
هل توجد برامج حكومية تدعم توظيف الكوادر التقنية الوطنية وتدريبها؟
نعم، يقدم صندوق تنمية الموارد البشرية «هدف» وجهات أخرى برامج لدعم التوظيف والتدريب، وتتغير شروطها من وقت لآخر، لذا يحسن التحقق منها من المصادر الرسمية.
كتب بواسطة
فريق كُميت
فريق كُميت للإنتاج الإبداعي والتسويق في الرياض، يكتب هنا عن التقنية والتحول الرقمي من واقع المشاريع التي يعمل عليها.