الذكاء الاصطناعي في المالية وكشف الاحتيال: من رصد الشذوذ إلى قرار المحلل
- نُشر في:
- مدة القراءة: 5 دقائق
- الكاتب: فريق كُميت
يتطور الاحتيال المالي باستمرار، فكلما أغلقت الجهات ثغرة بحث المحتالون عن غيرها. والقواعد الثابتة التي يكتبها المحللون، مثل رفض أي تحويل يتجاوز حدًا معينًا، تبقى مفيدة لكنها لا تواكب هذا التغير وحدها. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي في رصد الأنماط غير المألوفة. ويشرح هذا المقال كيف يعمل، وأين يُستخدم، وما الضوابط التي تجعل قراراته قابلة للثقة والمساءلة.
1. لماذا لا تكفي القواعد الثابتة وحدها
تعتمد أنظمة كشف الاحتيال التقليدية على قواعد يكتبها الخبراء بناء على حالات سابقة، وهذه القواعد واضحة وسهلة التفسير. لكن عيبها أنها تكشف ما يعرفه الخبراء مسبقًا فقط، ويستطيع المحتال الذي يفهم القاعدة أن يتجنبها، كأن يقسم المبلغ الكبير إلى تحويلات صغيرة. كما أن القواعد الصارمة توقف كثيرًا من العمليات السليمة فتزعج العملاء. أما نماذج التعلم الآلي فتنظر إلى عشرات العوامل معًا، وتتعلم شكل السلوك المعتاد لكل حساب، فترصد الانحراف عنه حتى لو لم يطابق أي قاعدة مكتوبة. والنهج العملي الشائع هو الجمع بين الأسلوبين: قواعد للحالات المعروفة والملزمة، ونماذج تكشف ما لم تتوقعه القواعد.
2. أين يُستخدم الذكاء الاصطناعي في المالية
يمتد استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال المالي إلى ما هو أبعد من البطاقات المصرفية. فكل نشاط تتدفق فيه الأموال أو البيانات المالية بكثافة قد يستفيد من رصد الأنماط. ومن أبرز الاستخدامات:
- مراقبة المعاملات: رصد العمليات غير المعتادة في البطاقات والتحويلات لحظة حدوثها.
- التحقق من الهوية عند فتح الحسابات: كشف الوثائق المزورة والطلبات المكررة بهويات مختلفة.
- مكافحة غسل الأموال: رصد شبكات الحسابات المترابطة والتحويلات الدائرية.
- الحسابات الدائنة في الشركات: كشف الفواتير المكررة أو الموردين الوهميين.
- مطالبات التأمين: تمييز المطالبات التي تستحق تحقيقًا إضافيًا.
3. كيف ترصد النماذج العمليات الشاذة
تبني النماذج صورة للسلوك المعتاد من البيانات التاريخية: أوقات العمليات، ومبالغها، وأماكنها، والأجهزة المستخدمة فيها، والجهات المستفيدة. ثم تعطي كل عملية جديدة درجة خطورة تعكس مدى ابتعادها عن هذا النمط.
مثال توضيحي: لنفترض أن عميلًا اعتاد استخدام بطاقته في مدينته لمشتريات يومية متوسطة. فجأة تظهر محاولة شراء إلكتروني بمبلغ كبير من جهاز لم يُستخدم من قبل، بعد دقائق من تغيير رقم الجوال المرتبط بالحساب. كل عامل منفردًا قد لا يثير الشك، لكن اجتماعها يرفع درجة الخطورة، فيطلب النظام تحققًا إضافيًا من العميل قبل إتمام العملية، ويُحال الحساب إلى محلل للمراجعة.
4. الموازنة بين كشف الاحتيال وتجربة العميل
كل نظام لكشف الاحتيال يواجه معادلة صعبة: التشدد يوقف عمليات سليمة ويحرج العملاء، والتساهل يترك عمليات احتيالية تمر. والإنذارات الكاذبة ليست مشكلة بسيطة، فالعميل الذي تُرفض بطاقته أمام الكاشير قد يتحول إلى وسيلة دفع أخرى. ومن الأساليب التي تساعد على التوازن:
- الاستجابة المتدرجة: طلب تحقق إضافي في الحالات المتوسطة بدل الرفض المباشر.
- ضبط العتبات حسب المخاطر: تختلف درجة الحذر في التحويل الكبير عنها في الشراء الصغير.
- قنوات تأكيد سريعة: تمكين العميل من تأكيد العملية عبر التطبيق خلال لحظات.
- تحليل الإنذارات الكاذبة: مراجعة أسبابها دوريًا لتحسين النموذج.
5. المحلل البشري شريك لا متفرج
لا يعني استخدام الذكاء الاصطناعي أن تُترك القرارات كلها للآلة. فالنموذج يجيد ترتيب الحالات حسب خطورتها، لكن المحلل هو من يفهم السياق: هل يسافر العميل فعلًا؟ هل هذا المورد الجديد حقيقي؟ هل تشير الحالة إلى نمط احتيال جديد؟
مثال توضيحي: لنفترض أن فريق مراقبة في مؤسسة مالية يستقبل يوميًا قائمة بالحالات ذات الخطورة العالية مرتبة تنازليًا. يبدأ المحلل بالأخطر، ويطلع على الأسباب التي رفعت درجتها، ثم يقرر تجميد الحساب أو التواصل مع العميل أو إغلاق الحالة. وتعود قراراته إلى النظام بيانات جديدة تحسن دقته. وعندما يلاحظ المحللون نمطًا جديدًا متكررًا، يمكنهم تحويله إلى قاعدة فورية ريثما يتعلمه النموذج.
6. تفسير القرارات والمساءلة
في القطاع المالي لا يكفي أن يكون النموذج دقيقًا، بل يجب أن تُفهم أسباب قراراته. فالمحلل يحتاج إلى معرفة سبب رفع درجة الخطورة ليتخذ قرارًا سليمًا، والعميل الذي جُمد حسابه يستحق تفسيرًا واضحًا، والجهات الرقابية تتوقع من المؤسسات أن تثبت سلامة أنظمتها. ولذلك تفضل كثير من الجهات نماذج يمكن تفسير مخرجاتها، أو تضيف إلى النماذج المعقدة أدوات تبين العوامل الأكثر تأثيرًا في كل قرار.
ويتطلب ذلك أيضًا توثيق مصادر بيانات التدريب، واختبار النموذج قبل اعتماده، ومراقبة أدائه بعد التشغيل، وتسجيل كل قرار والأسباب التي استند إليها. ويضاف إلى ذلك التحقق من أن النموذج لا يعامل فئات من العملاء بصرامة أكبر دون مبرر مرتبط بالمخاطر الفعلية.
7. البيانات والالتزام النظامي
يعتمد كشف الاحتيال على بيانات مالية وشخصية بالغة الحساسية، مما يجعل حمايتها جزءًا لا ينفصل عن المشروع. فيجب أن يتوافق جمع البيانات ومعالجتها مع نظام حماية البيانات الشخصية، وأن تلتزم المؤسسات الخاضعة لإشراف البنك المركزي السعودي بالمتطلبات التنظيمية الصادرة عنه، وأن تُطبق ضوابط الأمن السيبراني التي تصدرها الهيئة الوطنية للأمن السيبراني بحسب انطباقها على الجهة. ومن الممارسات الأساسية:
- تقليل الوصول: منح صلاحيات الاطلاع على البيانات لمن يحتاجها في عمله فقط.
- فصل بيئات التطوير: استخدام بيانات مموهة عند بناء النماذج واختبارها.
- التوثيق الكامل: حفظ سجل لكل نسخة من النموذج وبياناتها ونتائج اختبارها.
- الاحتفاظ المنضبط: تحديد مدد الاحتفاظ بالبيانات وفق المتطلبات النظامية.
8. التحديث المستمر ومواكبة أساليب المحتالين
نموذج كشف الاحتيال ليس مشروعًا يُسلَّم ثم يُنسى. فالمحتالون يغيرون أساليبهم عندما يكتشفون أنها لم تعد تنجح، وسلوك العملاء أنفسهم يتغير مع ظهور قنوات دفع جديدة أو مواسم استهلاك مختلفة. ولذلك قد تضعف دقة النموذج تدريجيًا دون أن يلاحظ أحد إن لم تكن هناك مراقبة منتظمة.
ومن الممارسات المفيدة متابعة مؤشرات الأداء أسبوعيًا، كمعدل الإنذارات الكاذبة وعدد حالات الاحتيال التي لم يرصدها النظام واكتُشفت لاحقًا، وإعادة تدريب النموذج على بيانات حديثة وفق جدول واضح، وتبادل المعرفة مع فرق الأمن السيبراني وخدمة العملاء، لأنهم غالبًا أول من يلاحظ ظهور أسلوب احتيال جديد.
الخلاصة
يمنح الذكاء الاصطناعي الإدارات المالية والجهات المصرفية قدرة على رصد العمليات الشاذة التي لا تكشفها القواعد الثابتة، في المعاملات المصرفية والمشتريات والتأمين ومكافحة غسل الأموال. لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يعمل إلى جانب محللين يفهمون السياق، وضمن منظومة توازن بين الحماية وراحة العميل، وتفسر القرارات وتوثقها، وتحمي البيانات وفق المتطلبات النظامية. ابدأ بنطاق واضح، واجمع بين القواعد والنماذج، وراقب الأداء باستمرار، فالاحتيال يتغير والنظام يجب أن يتغير معه. والجهة التي تبني هذه القدرة تدريجيًا تحمي أموالها وأموال عملائها، وتحافظ على ثقتهم في الوقت نفسه.
الأسئلة الشائعة
كيف يكشف الذكاء الاصطناعي الاحتيال المالي؟
يتعلم النمط المعتاد لسلوك كل حساب من البيانات التاريخية، ثم يعطي كل عملية جديدة درجة خطورة بحسب ابتعادها عن هذا النمط، فتُراجع العمليات عالية الخطورة أو يُطلب فيها تحقق إضافي.
هل يغني الذكاء الاصطناعي عن قواعد كشف الاحتيال التقليدية؟
لا، فالنهج الشائع هو الجمع بينهما، إذ تغطي القواعد الحالات المعروفة والملزمة، بينما ترصد النماذج الأنماط الجديدة التي لم تتوقعها القواعد.
لماذا ترفض أنظمة كشف الاحتيال أحيانًا عمليات سليمة؟
لأن العملية قد تختلف عن السلوك المعتاد للعميل، كالشراء من مكان جديد أو بمبلغ غير مألوف، ولذلك تلجأ الجهات إلى التحقق المتدرج بدل الرفض المباشر.
هل يمكن تفسير قرارات نماذج كشف الاحتيال؟
نعم، باستخدام نماذج قابلة للتفسير أو أدوات تبين العوامل الأكثر تأثيرًا في كل قرار، وهو أمر مهم للمحللين والعملاء والجهات الرقابية.
كتب بواسطة
فريق كُميت
فريق كُميت للإنتاج الإبداعي والتسويق في الرياض، يكتب هنا عن التقنية والتحول الرقمي من واقع المشاريع التي يعمل عليها.