القيادة في أوقات الأزمات: كيف يقود المدير فريقه حين يضطرب كل شيء
- نُشر في:
- مدة القراءة: 4 دقائق
- الكاتب: فريق كُميت
تأتي الأزمات في صور مختلفة: انقطاع نظام تعتمد عليه العمليات كلها، أو حادث أمني يمس بيانات العملاء، أو خسارة مفاجئة لعميل كبير، أو ظرف خارجي يربك السوق. والقاسم المشترك بينها أنها تضع المدير أمام ضغط الوقت وغموض المعلومات وقلق الفريق في آن واحد.
يعرض هذا الدليل كيف يتصرف المدير منذ الساعات الأولى، وكيف يتواصل ويقرر ويرعى فريقه، ثم كيف يحوّل الأزمة إلى درس يقوّي المنشأة.
1. ما الذي يميز الأزمة عن المشكلة العادية؟
المشكلة العادية تُحل بالإجراءات المعتادة وفي الإيقاع المعتاد، أما الأزمة فتتجاوز قدرة هذه الإجراءات. وتجتمع فيها عادةً ثلاث سمات: تهديد حقيقي لشيء مهم مثل سلامة الناس أو استمرار العمل أو سمعة المنشأة، وضيق في الوقت المتاح للتصرف، ونقص في المعلومات الموثوقة عما يحدث.
ولهذا التمييز أهمية عملية، لأن الخطأ يقع في الاتجاهين. فبعض المديرين يعاملون كل عطل بوصفه أزمة، فيستنزفون فرقهم بحالة طوارئ دائمة، ويفقد الإنذار قيمته، فلا يتحرك أحد حين تقع الأزمة الحقيقية. وآخرون يتأخرون في الاعتراف بأن ما يواجهونه أزمة فعلًا، فيضيع الوقت الثمين في محاولة حلها بالأدوات المعتادة.
- ضع معايير مسبقة لإعلان الأزمة: متى يتحول الحادث إلى أزمة تستدعي فريقًا خاصًا وإجراءات مختلفة.
- حدد من يملك صلاحية الإعلان: حتى لا يتأخر القرار بانتظار اجتماع.
2. الساعات الأولى: تثبيت الموقف وتشكيل فريق الأزمة
الساعات الأولى تحدد في الغالب مسار الأزمة كله. والأولوية فيها ليست حل المشكلة نهائيًا، بل إيقاف تفاقمها وفهم ما يحدث وتنظيم الاستجابة. والقائد الذي يندفع إلى التفاصيل التقنية بنفسه قد يترك الصورة الكبرى دون من يتابعها.
- احمِ الناس أولًا: سلامة الموظفين والعملاء تتقدم على أي اعتبار آخر.
- احتوِ الضرر: خطوات عاجلة توقف الانتشار، حتى لو كانت مؤقتة.
- شكّل فريقًا صغيرًا بأدوار واضحة: قائد للأزمة، ومسؤول عن الجانب الفني، ومسؤول عن التواصل، ومن يمثل الجوانب النظامية عند الحاجة.
- افصل الأزمة عن العمل اليومي: كلّف من يتابع بقية العمليات حتى لا يتوقف كل شيء.
- ابدأ سجلًا مكتوبًا: ما الذي عُرف، ومتى، وما القرارات التي اتُّخذت.
ويكون هذا كله أسهل كثيرًا إذا كانت لدى المنشأة خطة لاستمرارية الأعمال جرى التدرب عليها قبل وقوع الأزمة.
3. التواصل الصادق مع الموظفين والعملاء
في غياب المعلومات الرسمية يملأ الناس الفراغ بالشائعات، وكثيرًا ما تكون الشائعة أسوأ من الحقيقة. ولذلك يحتاج التواصل في الأزمة إلى أن يكون مبكرًا ومنتظمًا وصادقًا، حتى حين لا تكتمل الصورة بعد. فعبارة «لا نعرف حتى الآن، وسنبلغكم بالمستجد في موعد محدد» أنفع من الصمت أو الطمأنة غير المبنية على معلومات.
مثال توضيحي: لنفترض أن متجرًا إلكترونيًا تعرض لعطل في نظام الدفع منع العملاء من إتمام طلباتهم. يرسل فريق الأزمة رسالة قصيرة للموظفين يشرح فيها ما يُعرف وما لا يُعرف، ويحدد كيف يرد فريق خدمة العملاء على الاستفسارات بصيغة موحدة. ويضع إشعارًا واضحًا على الموقع، ويحدد موعدًا للتحديث التالي ويلتزم به، ويبلغ الشركاء ومقدمي الخدمات المعنيين بما يحتاجون معرفته للتنسيق. وإذا مست الأزمة بيانات شخصية، يراجع الفريق القانوني ما يفرضه نظام حماية البيانات الشخصية من التزامات بالإبلاغ.
4. اتخاذ القرار تحت الضغط وبمعلومات ناقصة
في الأزمة لا يملك القائد ترف الانتظار حتى تكتمل المعلومات، لأن التأخير نفسه قرار له عواقبه. لكن السرعة لا تعني التهور؛ فالمطلوب قرارات سريعة قابلة للتعديل، مع وعي بأن بعضها قد يحتاج إلى تصحيح لاحقًا.
- ركز على القرارات التي لا تحتمل التأجيل: وأجّل ما يمكن تأجيله إلى أن تتضح الصورة.
- فضّل الخيارات القابلة للعكس: كلما أمكن، حتى تحتفظ بمرونة التعديل.
- استمع لأصحاب المعرفة المباشرة: الموظف القريب من المشكلة يعرف غالبًا أكثر من المسؤول البعيد عنها.
- أعلن القرار وسببه: حتى يفهم الفريق المنطق ويتصرف وفقه في المواقف التي لم تُذكر.
- راقب علامات الإرهاق في قراراتك: فالضغط الطويل يدفع إلى قرارات متسرعة أو إلى التردد.
ومن المفيد أن يحدد قائد الأزمة نقاط مراجعة منتظمة يعيد فيها تقييم الموقف وقراراته السابقة في ضوء ما استجد.
5. رعاية الفريق والتعلم بعد الأزمة
الأزمات تستنزف الطاقة، والفريق الذي يعمل لأيام تحت ضغط متواصل يرتكب أخطاء أكثر ويفقد حماسه. ولذلك يحتاج القائد إلى أن يرعى فريقه بالقدر الذي يرعى به حل المشكلة: أن ينظم المناوبات حتى لا يعمل الجميع في وقت واحد ثم ينهاروا معًا، وأن يشكر الجهود علنًا، وأن ينتبه للأفراد الذين يظهرون علامات إرهاق، فيمنحهم راحة قبل أن يضطروا إلى طلبها، ويحرص على أن تصلهم المعلومات أولًا بأول.
وحين تنتهي الأزمة يميل الجميع إلى طي الصفحة سريعًا، لكن هذه اللحظة هي أنسب وقت للتعلم. فتُعقد مراجعة بعد الحادث تركز على الأسباب والإجراءات لا على البحث عن مذنب: ماذا حدث؟ ما الذي نجح في الاستجابة؟ ما الذي تأخر؟ وما الذي يجب أن يتغير في الأنظمة والخطط؟
ثم تُحول نتائج المراجعة إلى إجراءات محددة لكل منها مسؤول وموعد، وتُحدّث خطة استمرارية الأعمال بناءً عليها.
الخلاصة
القيادة في الأزمات لا تعني أن يملك القائد كل الإجابات، بل أن يحافظ على هدوئه، وينظم الاستجابة، ويتواصل بصدق، ويتخذ القرارات اللازمة دون انتظار يقين لن يأتي. ضع مسبقًا معايير لإعلان الأزمة وخطة لاستمرارية الأعمال، وتدرّب عليها مع فريقك. وفي أثناء الأزمة احمِ الناس أولًا، واحتوِ الضرر، وشكّل فريقًا صغيرًا بأدوار واضحة، وأبقِ الجميع على اطلاع منتظم. ثم ارعَ فريقك الذي تحمّل الضغط، واجعل المراجعة بعد الأزمة فرصة حقيقية لتقوية المنشأة لا مجرد إجراء شكلي يُنسى سريعًا. فالمنشأة التي تتعلم من كل أزمة تواجه الأزمة التالية بخطة أنضج وفريق أكثر ثقة بقيادته.
الأسئلة الشائعة
ما أهم صفات القائد في الأزمات؟
من أهمها الهدوء تحت الضغط، والقدرة على اتخاذ قرارات سريعة بمعلومات ناقصة، والصدق في التواصل، وتفويض الأدوار بوضوح، ورعاية الفريق الذي يعمل في ظروف صعبة.
ماذا يفعل المدير في الساعات الأولى من الأزمة؟
يبدأ بحماية الناس واحتواء الضرر، ثم يشكل فريقًا صغيرًا للأزمة بأدوار واضحة، ويفصل متابعة الأزمة عن العمل اليومي، ويوثق ما يُعرف وما يُتخذ من قرارات.
كيف يتواصل المدير مع الموظفين أثناء الأزمة؟
يتواصل مبكرًا وبانتظام، ويشرح ما يُعرف وما لا يُعرف بصدق، ويحدد موعد التحديث التالي ويلتزم به، حتى لا تملأ الشائعات فراغ المعلومات.
ما المقصود بالمراجعة بعد الحادث؟
هي جلسة تُعقد بعد انتهاء الأزمة لدراسة ما حدث وأسبابه، وما نجح وما تأخر في الاستجابة، مع التركيز على تحسين الأنظمة والإجراءات لا على لوم الأفراد.
كتب بواسطة
فريق كُميت
فريق كُميت للإنتاج الإبداعي والتسويق في الرياض، يكتب هنا عن التقنية والتحول الرقمي من واقع المشاريع التي يعمل عليها.