كتابة سيناريو فيلم وثائقي دون أن تفقد عفوية الواقع
- نُشر في:
- مدة القراءة: 4 دقائق
- الكاتب: فريق كُميت
يُكتب سيناريو فيلم وثائقي على مرحلتين: قبل التصوير تكتب معالجة تصف القصة وشخصياتها، ثم مخطط مشاهد مرنًا وأسئلة للمقابلات؛ وبعد التصوير تعيد بناء النص على المادة التي صُوّرت فعلًا، فتختار المقاطع وترتبها وتكتب ما يربطها. وبهذا يحصل الفيلم على بنية واضحة دون أن يُجبَر الواقع على قول ما لم يقله.
بماذا يختلف سيناريو فيلم وثائقي عن سيناريو فيلم روائي؟
السيناريو الروائي يحدد كل كلمة ستقال قبل التصوير، أما الوثائقي فيحدد ما يبحث عنه الفيلم وكيف سيُبنى، ويترك الكلام لأصحابه.
فالكاتب الوثائقي لا يكتب حوار الشخصيات، لأن قيمة الفيلم في أن الناس يتحدثون بكلماتهم. لكنه يحدد مسبقًا الأسئلة التي يحتاج الفيلم إلى إجابات عنها، والمشاهد التي يتوقع أن تحمل القصة، والترتيب العام الذي يمضي فيه المشاهد من البداية إلى النهاية. ولذلك يبدو السيناريو الوثائقي قبل التصوير أقرب إلى خطة رحلة منه إلى نص مكتوب: يعرف وجهته ومحطاته الرئيسية، لكنه مستعد لتغيير الطريق إذا ظهر ما هو أهم. ويقوم هذا كله على ما يكشفه البحث للفيلم الوثائقي قبل التصوير؛ فالمعالجة التي تُكتب دون بحث تبني الفيلم على افتراضات قد لا يؤكدها الواقع. والنتيجة سيناريو يتغير شكله أكثر من مرة قبل أن يصل إلى صورته الأخيرة، وهذا جزء طبيعي من العمل.
كيف تكتب المعالجة قبل التصوير؟
المعالجة نص قصير بلغة سردية يصف القصة التي سيرويها الفيلم، وشخصياته، ونقطة التحول فيه، والإحساس الذي يريد أن يتركه لدى المشاهد.
- السؤال المركزي: ما الذي يريد الفيلم أن يكتشفه أو يجيب عنه؟ جملة واحدة تحكم كل ما بعدها.
- الشخصيات: من يحمل القصة، وما الذي يريده كل منهم، وما الذي يقف في طريقه.
- البنية العامة: كيف يبدأ الفيلم، وأين يقع التحول، وكيف ينتهي، مع الاعتراف بأن النهاية قد تتغير.
- الأسلوب: هل يعتمد الفيلم على المقابلات أم على متابعة الأحداث أم على الأرشيف، وهل فيه راوٍ.
- ما لا يعرفه الفريق بعد: الأسئلة المفتوحة التي يتوقع أن يجيب عنها التصوير.
والمعالجة الجيدة تُقرأ في دقائق، ويفهم منها صاحب القرار في المنشأة والمخرج والمصور الفيلم نفسه، فتكون مرجعًا مشتركًا يعودون إليه حين تتعدد الآراء.
كيف تكتب مخطط مشاهد يترك مساحة للمفاجأة؟
اكتب المشاهد بوصفها مواقف تتوقع حدوثها وما تريد أن تلتقطه فيها، لا بوصفها لقطات محددة بكلماتها وحركاتها.
فبدل أن تكتب «يقول المدير إن الفريق تجاوز التحدي»، اكتب «اجتماع الفريق صباح يوم التسليم: نبحث عن التوتر قبل القرار وردود الفعل بعده». هذا الوصف يخبر المصور بما يراقبه، دون أن يفرض على الناس ما يقولونه. وأضف لكل مشهد سبب وجوده في الفيلم، حتى يعرف الفريق إن كان يمكن الاستغناء عنه إذا تعذر تصويره. ومن المفيد أن يتضمن المخطط مشاهد بديلة؛ فإذا تأجل حدث كان متوقعًا، يعرف الفريق ما الذي يمكن أن يحمل الوظيفة نفسها في القصة.
مثال توضيحي: لنفترض أن فيلمًا يتابع افتتاح مركز خدمة جديد لمنشأة ما. قد يكتب الكاتب مشهدًا لليوم الأول مع أول المراجعين، فإذا جاء اليوم هادئًا على غير المتوقع، قد يصبح هذا الهدوء نفسه مادة للقصة عن الترقب والاستعداد. ولا تقلق من كثرة التعديلات على المخطط أثناء التصوير، فهي علامة على أن الفريق يصغي إلى ما يحدث أمامه.
كيف تُعد أسئلة المقابلات دون أن تلقّن الإجابات؟
اكتب أسئلة مفتوحة تدعو الشخص إلى الحكي، ورتبها بحسب القصة لا بحسب الموضوعات، وتجنب الأسئلة التي تحمل الإجابة في صياغتها.
- اسأل عن لحظات لا عن آراء: «ماذا حدث في ذلك اليوم؟» يستدعي قصة، و«هل كانت التجربة مفيدة؟» يستدعي إجابة قصيرة.
- تجنب الأسئلة الموجهة: «ألم تشعر بالفخر؟» تلقّن الإجابة، و«بماذا شعرت حينها؟» تتركها لصاحبها.
- اطلب الوصف: «صف لي المكان كما كان»، فالوصف الحي يمنح المونتير صورة يبني عليها.
- اترك مساحة للصمت: كثير من أصدق العبارات تأتي بعد لحظة صمت لا يقطعها السؤال التالي.
- دوّن ما تحتاجه البنية: حدد لكل سؤال المكان المتوقع لإجابته في الفيلم، حتى تعرف ما ينقصك قبل انتهاء التصوير.
كيف تعيد بناء السيناريو بعد التصوير؟
بعد التصوير يُكتب السيناريو الحقيقي: تُفرَّغ المقابلات، وتُوصف المشاهد، ثم يُبنى الفيلم من المادة الموجودة لا من الخطة الأولى.
ويبدأ العمل بتفريغ كل المقابلات نصيًا، ووضع علامات على العبارات القوية، ووصف كل مشهد صُوّر وما يحمله. ثم يعود الكاتب إلى المعالجة ويسأل: ما القصة التي تقولها المادة فعلًا؟ فكثيرًا ما تكشف المقابلات قصة أقوى من القصة المخطط لها، أو تغيب عنها لحظة كان الفيلم يعتمد عليها. بعد ذلك يُكتب سيناريو المونتاج، وهو ترتيب للمقاطع المختارة مع ما يربطها من تعليق صوتي أو نصوص على الشاشة أو مشاهد انتقالية. وهنا تظهر أمانة الكاتب: فتقطيع العبارات وترتيبها يجب ألا يغير معنى ما قصده المتحدث. وتأتي هذه المرحلة ضمن مراحل إنتاج فيلم وثائقي من البحث إلى العرض الأول، وغالبًا ما تمر بعدة نسخ قبل اعتماد النسخة النهائية.
الخلاصة
الكتابة للفيلم الوثائقي توازن بين التخطيط والإصغاء. قبل التصوير تكتب معالجة واضحة تحدد السؤال والشخصيات والبنية، ومخطط مشاهد يصف ما تبحث عنه لا ما يجب أن يقال، وأسئلة مقابلات مفتوحة لا تلقّن الإجابات. وبعد التصوير تعود إلى المادة الحقيقية فتفرّغها وتقرأها من جديد، وتبني منها القصة التي تقولها فعلًا، مع الحرص على ألا يغير المونتاج معنى كلام أحد. وبهذه الطريقة يحصل الفيلم على بنية تشد المشاهد، ويحتفظ في الوقت نفسه بالعفوية التي تجعل الجمهور يصدق ما يراه. وتختلف درجة المرونة بحسب نوع الفيلم، فالفيلم القائم على المتابعة الحية يحتاج إلى مساحة أوسع من الفيلم القائم على المقابلات، كما يوضح مقال أنواع الأفلام الوثائقية.
الأسئلة الشائعة
هل يحتاج الفيلم الوثائقي إلى سيناريو أصلًا؟
نعم، لكنه سيناريو مرن يختلف عن السيناريو الروائي. فهو يحدد القصة والبنية وأسئلة المقابلات قبل التصوير، ثم يُعاد بناؤه على المادة الحقيقية بعده.
هل يُكتب التعليق الصوتي قبل التصوير أم بعده؟
يمكن كتابة مسودة أولية قبل التصوير، لكن النص النهائي يُكتب عادة بعده، لأنه يجب أن يربط بين المقاطع التي اختيرت فعلًا ويكمل ما لم تقله الشخصيات.
كم صفحة تكون معالجة الفيلم الوثائقي؟
لا يوجد طول ثابت، لكن المعالجة تكون عادة قصيرة بما يكفي لتُقرأ في جلسة واحدة، وواضحة بما يكفي ليفهم منها القارئ القصة والشخصيات والأسلوب.
هل يجوز إعادة تمثيل مشهد في الفيلم الوثائقي؟
يلجأ بعض صانعي الأفلام إلى إعادة التمثيل لتصوير أحداث مضت، بشرط أن يكون واضحًا للمشاهد أنه مشهد معاد تمثيله وليس تصويرًا للحدث الأصلي.
كتب بواسطة
فريق كُميت
فريق كُميت للإنتاج الإبداعي والتسويق في الرياض، يكتب هنا عن التقنية والتحول الرقمي من واقع المشاريع التي يعمل عليها.